تسريبات سيجنال.. أزمة ثقة جديدة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين

كشفت تسريبات لمحادثات سرية بين مسؤولين أمريكيين كبار عبر تطبيق سيجنال عن مستوى غير مسبوق من التوتر في العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، إذ أظهرت الرسائل المتبادلة ما وصفته بعض المصادر بـ"ازدراء" المسؤولين الأمريكيين لشركائهم الأوروبيين، الذين تزداد مخاوفهم من توجهات واشنطن. هذه التسريبات جاءت في سياق حساس، حيث تشن الولايات المتحدة حملة عسكرية على الحوثيين في اليمن، وسط تنسيق متوتر مع الحلفاء الأوروبيين.
كيف وقعت التسريبات؟
بحسب تقرير نشرته مجلة "ذا أتلانتيك"، فقد تلقى رئيس تحرير المجلة، الصحافي الأمريكي جيفري جولدبيرج، عن طريق الخطأ رسائل عبر تطبيق سيجنال من وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث، تضمنت معلومات حساسة حول خطط عسكرية لضرب أهداف حوثية في اليمن، وذلك قبل ساعتين فقط من بدء الهجمات. هذه الواقعة أثارت تساؤلات حول مدى تأمين قنوات الاتصال الحكومية الأمريكية، خاصةً عندما يتعلق الأمر بتبادل معلومات ذات طابع عسكري حساس.
استياء أمريكي من "الاستغلال الأوروبي"
أظهرت الرسائل المسربة محادثات بين نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس ووزير الدفاع بيت هيجسيث، حيث عبّرا عن اعتقادهما بأن الحلفاء الأوروبيين يستغلون جهود الولايات المتحدة في استهداف الحوثيين. خلال النقاش، بدا أن فانس يشكك في جدوى الضربات الأمريكية، متسائلًا عما إذا كان يجب على واشنطن التدخل عسكريًا لحماية المصالح الأوروبية في البحر الأحمر، خاصةً أن 40% من التجارة الأوروبية تمر عبر قناة السويس، مقابل 3% فقط من التجارة الأمريكية.
كتب فانس في إحدى الرسائل مخاطبًا هيجسيث:
"إذا كنت تعتقد أن علينا أن نفعل ذلك، فلنفعله... لكني أكره فقط إنقاذ أوروبا مجددًا".
ورد هيجسيث بتأكيد موقفه قائلًا:
"نائب الرئيس، أشاطرك تمامًا كراهيتك للاستغلال الأوروبي... إنه أمر مثير للشفقة".
كما كشفت التسريبات عن مقترحات لتأجيل الضربات العسكرية لمدة شهر من أجل إعداد استراتيجية إعلامية مناسبة، خوفًا من تداعيات سلبية على الرأي العام الأمريكي وارتفاع أسعار النفط.
لم تكن هذه الواقعة الأولى التي تسلط الضوء على تدهور العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين. فقد سبق أن أثار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب غضب الأوروبيين بتصريحاته المتكررة حول ضعف إنفاقهم على الدفاع، فضلًا عن تهديده بفرض رسوم جمركية ضخمة قد تؤثر سلبًا على اقتصادات الاتحاد الأوروبي. كما أن خطاب نائب الرئيس جيه دي فانس في مؤتمر ميونيخ للأمن في فبراير الماضي، والذي اتهم فيه ألمانيا بقمع مؤيدي اليمين المتطرف، زاد من حدة التوتر.
وفي سياق متصل، وجه هيجسيث انتقادات واضحة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) خلال اجتماع للحلف، حيث أكد أن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تركز في المقام الأول على أمن أوروبا، وهو تصريح يعكس تراجع التزام واشنطن التقليدي تجاه الحلفاء الأوروبيين.
قلق متزايد وحذر في تبادل المعلومات
التسريبات أدت إلى ردود فعل واسعة داخل الأوساط السياسية الأوروبية. كتب رئيس الوزراء السويدي السابق كارل بيلدت على منصة إكس تعليقًا على الواقعة:
"في القصة المذهلة لمجموعة سيجنال التي نسقت الضربات الجوية في اليمن، يظهر نائب الرئيس جي دي فانس مجددًا مدفوعًا بمشاعر مناهضة لأوروبا".
وفي ظل هذا الخطاب العدائي، قد تعيد الدول الأوروبية النظر في مدى تبادل المعلومات الحساسة مع الولايات المتحدة، خاصةً أن بعض القادة الأوروبيين أصبحوا يشككون في التزام واشنطن بالأمن الجماعي. ومع ذلك، أشارت مصادر استخباراتية إلى أن من غير المرجح أن يؤدي ذلك إلى قطع التعاون الاستخباراتي بالكامل، نظرًا لأن الشركاء الأوروبيين يعتمدون بشكل كبير على المعلومات الاستخباراتية الأمريكية، خصوصًا في المناطق التي يصعب على أجهزة الاستخبارات الأوروبية الوصول إليها.
التداعيات على التحالفات العسكرية في البحر الأحمر
تأتي هذه التسريبات في وقت تواصل فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها عمليات عسكرية ضد الحوثيين، بعد استهدافهم لسفن تجارية في البحر الأحمر. أطلقت إدارة بايدن في عام 2024 "عملية حارس الازدهار" بمشاركة دول مثل بريطانيا، فرنسا، وإيطاليا، لحماية خطوط الشحن البحرية. وفي المقابل، أعلن الاتحاد الأوروبي عن مهمة "أسبيديس"، التي أرسلت بموجبها السفن الحربية الأوروبية لحماية التجارة الدولية.
لكن التسريبات الأخيرة قد تؤدي إلى تآكل الثقة بين الحلفاء، ما قد يدفع الأوروبيين إلى البحث عن خيارات أمنية مستقلة عن واشنطن، خصوصًا في ظل تنامي الشكوك حول استمرارية الالتزامات الأمريكية تجاه الشراكات الدولية.