ترامب يلوّح بالرسوم كورقة تفاوض.. هل تتحول الحماية الاقتصادية إلى دبلوماسية مشروطة؟

في خطوة مثيرة للجدل، عاد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى أسلوبه التفاوضي الصدامي، بإعلانه فرض رسوم جمركية شاملة على جميع واردات الولايات المتحدة، مشيرًا في الوقت ذاته إلى استعداده لفتح باب التفاوض مع الدول المتأثرة إذا ما قدّمت "صفقات مذهلة" تخدم المصالح الأمريكية.
ترامب، الذي تحدث من على متن الطائرة الرئاسية "إير فورس وان"، قال بوضوح: "إذا قال لنا أحدهم إنهم سيقدمون شيئاً مذهلاً سننظر في الأمر. طالما أنهم يعطوننا شيئاً جيداً"، في إشارة إلى أن الرسوم الجمركية ليست هدفًا بحد ذاتها، بل وسيلة ضغط لانتزاع تنازلات استراتيجية من الخصوم التجاريين.
الرئيس الأمريكي السابق اعتبر أن الرسوم ستمنح الولايات المتحدة "قوة كبيرة" في مفاوضاتها التجارية، مستشهدًا بقضية تطبيق "تيك توك" كمثال عملي. فقد كان من المفترض أن تبيع شركة "بايت دانس" الصينية التطبيق أو تواجه حظره في أمريكا بحلول 19 يناير، لكن ترامب منح تمديدًا إضافيًا لمدة 75 يومًا، ينتهي في اليوم التالي للإعلان.
وقال: "لدينا حالة مع تيك توك، حيث من المحتمل أن تقول الصين: سنوافق على الصفقة، لكن هل ستفعل شيئاً بشأن الرسوم الجمركية؟"، مبرزًا أن هذا النوع من المعاملات المتبادلة يضع أمريكا في "مقعد القيادة". وأوضح أن العديد من الدول التي لم تكن لتقبل سابقًا بأي مطالب أمريكية، باتت اليوم على استعداد لفعل "أي شيء" مقابل تخفيف الضغط الجمركي.
دبلوماسية الرسوم.. تكتيك تفاوضي أم تهديد للاستقرار التجاري؟
هذه التصريحات تكشف عن الطابع التفاوضي العميق وراء سياسة ترامب الاقتصادية؛ فهو لا يرى في الرسوم أداة ردع فقط، بل ورقة مساومة تُمكنه من إعادة تشكيل العلاقات التجارية الأمريكية وفق شروطه. ومع أن أحد كبار المسؤولين في الإدارة أصر على أن الرسوم الجديدة "غير قابلة للتفاوض"، فإن لغة ترامب ذات الطابع العملي تفتح الباب لاحتمالات المساومة السياسية.
وتأتي هذه التطورات بعد أن فرض ترامب، يوم الأربعاء، رسوماً بنسبة 10% على معظم الواردات، مع رفعها لمستويات أعلى بالنسبة للدول التي تعاني معها أمريكا من عجز تجاري مزمن. وبدلاً من مجرد فرض عقوبات اقتصادية، يبدو أن ترامب يوجه رسالة ضمنية للدول والشركات الكبرى: "صنعوا منتجاتكم في أمريكا أو ادفعوا الثمن".
وفي هذا السياق، عبّر عن ثقته بأن هذه السياسات ستدفع العديد من الشركات إلى إعادة توطين صناعتها داخل الولايات المتحدة، قائلًا: "تذكّروا، لا توجد رسوم إذا قمتم ببناء مصنعكم أو صنعتم منتجكم في الولايات المتحدة".
ما بين الحماية والإغراء
سياسة الرسوم الجمركية الترامبية، كما يتضح، ليست معزولة عن الحسابات السياسية، بل هي جزء من استراتيجية تفاوض قائمة على الضغط مقابل الامتيازات. هذه المقاربة تعكس عقلية ترامب التفاوضية التي تمزج ما بين التهديد والإغراء، ما قد يعزز صورته لدى الناخبين الداعمين لنهج "أمريكا أولاً"، لكنه أيضًا يثير مخاوف من تصعيد تجاري عالمي أو ارتباك في سلاسل التوريد.
في النهاية، يبدو أن ترامب يستخدم الاقتصاد كأداة دبلوماسية صارمة، لكن نجاح هذا النهج سيعتمد على مدى تجاوب القوى الاقتصادية الكبرى، وعلى قدرة الولايات المتحدة على تحمّل تبعاته داخليًا، في ظل التحديات الاقتصادية والتنافس الجيوسياسي المتزايد.