أبعاد القصف الإسرائيلي لسوريا وتداعياته على المشهد الإقليمي

في خطوة تصعيدية جديدة، شنت إسرائيل سلسلة من الغارات الجوية والعمليات البرية على مواقع في جنوب ووسط سوريا، مستهدفة قواعد عسكرية ومناطق مدنية، وسط تبريرات إسرائيلية تدعي الرد على "تهديدات أمنية" وإطلاق نار على قواتها. التصعيد الإسرائيلي، الذي وصفه وزير الدفاع يسرائيل كاتس بأنه "رسالة واضحة وتحذير للمستقبل"، يفتح الباب أمام تساؤلات حول أبعاده الاستراتيجية، ومدى ارتباطه بالتطورات الإقليمية والدولية.
الضربات الجوية والبرية: ما الذي استهدفته إسرائيل؟
أعلن الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، أنه نفذ غارات جوية استهدفت قاعدتين جويتين ومواقع عسكرية في مدن دمشق وحماة وحمص. كما توغلت وحدات عسكرية إسرائيلية في منطقة حرش سد الجبلية غربي درعا، مدعية أنها اشتبكت مع "مسلحين" في منطقة تسيل جنوب سوريا، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى.
من جهة أخرى، أفادت مصادر سورية رسمية بسقوط تسعة قتلى مدنيين وعدد من المصابين نتيجة القصف الإسرائيلي على درعا، وهو ما وصفته دمشق بأنه "تصعيد غير مبرر" يهدف إلى زعزعة الاستقرار في سوريا وإطالة أمد معاناة شعبها.
مبررات إسرائيل و"الرسالة الأمنية"
وزير الدفاع الإسرائيلي شدد على أن بلاده "لن تسمح بأي ضرر يلحق بأمنها"، مؤكداً أن الجيش الإسرائيلي سيبقى في المناطق العازلة داخل سوريا "لمواجهة التهديدات". كما حذر الحكومة السورية من "دفع ثمن باهظ" في حال سماحها لقوات معادية لإسرائيل بالتمركز في المنطقة.
لكن هذا التبرير لا ينفصل عن الاستراتيجية الإسرائيلية الأشمل في سوريا، والتي تتضمن تقويض أي نفوذ عسكري معادٍ لها، سواء كان من الجيش السوري أو من حلفائه الإقليميين. وتأتي هذه الهجمات في سياق أوسع من الضربات الإسرائيلية المتكررة التي تستهدف البنية التحتية العسكرية السورية، وهو ما يراه محللون محاولة إسرائيلية لإضعاف القدرات الدفاعية السورية ومنع أي تموضع استراتيجي يشكل تهديداً مستقبلياً لها.
ردود الفعل السورية والتداعيات المحتملة
الحكومة السورية، من جانبها، وصفت القصف الإسرائيلي بأنه "عدوان صارخ" يهدف إلى تكريس حالة عدم الاستقرار، مؤكدة أن الغارات أسفرت عن تدمير شبه كامل لمطار حماة العسكري وإصابة عشرات المدنيين والعسكريين. كما أكدت دمشق أن هذه الاعتداءات لن تمر دون رد، مما يثير تساؤلات حول إمكانية حدوث تصعيد مضاد في الفترة المقبلة.
البعد الإقليمي والدولي: هل هو تصعيد مرتبط بالتوترات الأوسع؟
يأتي هذا التصعيد الإسرائيلي في ظل توتر إقليمي متزايد، حيث تتشابك الملفات الأمنية بين سوريا ولبنان والعراق، إضافة إلى التصعيد المستمر بين إسرائيل وإيران، التي تدعم دمشق عسكرياً. كما أن التوقيت، المتزامن مع تصعيد أميركي-إيراني في المنطقة، يثير احتمالات ارتباط الضربات الإسرائيلية بمحاولات أوسع لفرض معادلات جديدة في ميزان القوى الإقليمي.
إلى أين تتجه الأزمة؟
يبقى السؤال الأهم: هل يشكل هذا التصعيد مقدمة لمرحلة جديدة من المواجهة بين إسرائيل وسوريا، أم أنه مجرد جولة أخرى في إطار الصراع المستمر؟ الإجابة تعتمد على مدى رد الفعل السوري وحلفائه، وكذلك على الموقف الدولي، خصوصاً من قبل الولايات المتحدة وروسيا، اللاعبَين الرئيسيين في المشهد السوري.
في النهاية، يبدو أن التطورات الميدانية في سوريا تتجه نحو مزيد من التعقيد، مع استمرار إسرائيل في عملياتها العسكرية، واحتفاظ دمشق وحلفائها بحق الرد، ما يجعل المنطقة أمام احتمالات مفتوحة، قد تتراوح بين احتواء التصعيد أو انزلاقه إلى مواجهات أوسع.