اتحاد العالم الإسلامي
اتحاد العالم الإسلامي
رئيس مجلس الإدارة د. محمد أسامة هارونرئيس التحرير أحمد نصار

المجر تتحدى المحكمة الجنائية الدولية.. انسحاب رسمي وزيارة مثيرة للجدل لنتنياهو

المجر وإسرائيل
المجر وإسرائيل

في خطوة تحمل أبعادًا سياسية وقانونية عميقة، أعلنت الحكومة المجرية بدء إجراءات الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية، تزامنًا مع زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى بودابست، في تحدٍ مباشر لمذكرة التوقيف الصادرة بحقه من المحكمة بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة. هذا القرار يثير تساؤلات حول موقف المجر من العدالة الدولية، وعلاقتها بالاتحاد الأوروبي، ومدى تأثيره على مستقبل المحكمة نفسها.

القرار المجري.. أسبابه وسياقه السياسي

جاء إعلان الانسحاب عبر جيرجيلي جويّاش، مدير مكتب رئيس الوزراء فيكتور أوربان، الذي أكد أن المجر ستبدأ إجراءاتها القانونية والدستورية لمغادرة المحكمة الجنائية الدولية. هذه الخطوة تأتي بعد تصريحات أوربان السابقة التي وصف فيها مذكرة التوقيف بحق نتنياهو بأنها "وقحة بشكل فاضح"، مما يعكس موقفًا سياسيًا حادًا ضد المحكمة.

القرار المجري ليس مفاجئًا تمامًا، فالحكومة المجرية برئاسة أوربان تتبنى نهجًا شعبويًا يميل إلى تحدي المؤسسات الدولية، خاصة تلك التي قد تتعارض مع توجهاتها السياسية. كما أن هذا الموقف يتماشى مع علاقات بودابست الوثيقة مع تل أبيب، والتي تعززت خلال السنوات الماضية على الصعيدين السياسي والاقتصادي.

هل يشكل الانسحاب المجري سابقة خطيرة؟

من الناحية القانونية، يُفترض بالدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية الالتزام بقراراتها، بما في ذلك تنفيذ مذكرات التوقيف الصادرة عنها. وكان من المنتظر أن تقوم السلطات المجرية باعتقال نتنياهو حال وصوله إلى أراضيها، وفقًا لالتزاماتها القانونية. غير أن انسحابها من المحكمة يشير إلى رفضها لهذا الالتزام، ويطرح تساؤلات حول مدى قوة المحكمة في فرض قراراتها على الدول الأعضاء.

اللافت أن المحكمة الجنائية الدولية لا تمتلك آلية تنفيذية تلزم الدول بالامتثال لقراراتها، وإنما تعتمد على تعاون الدول الأعضاء. وبالتالي، فإن خروج المجر قد يشجع دولًا أخرى، خصوصًا تلك التي تواجه قضايا مماثلة، على اتخاذ خطوات مماثلة، مما قد يضعف فاعلية المحكمة على المدى الطويل.

هل يتعارض القرار مع التزامات المجر في الاتحاد الأوروبي؟

كمكون رئيسي في الاتحاد الأوروبي، تخضع المجر لمجموعة من الالتزامات القانونية والسياسية التي تفرض احترام القوانين والمعاهدات الدولية. وقد يثير قرارها الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية توترًا داخل الاتحاد، خاصة أن المحكمة تلعب دورًا هامًا في محاسبة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.

الاتحاد الأوروبي، الذي يعبر باستمرار عن دعمه للمحكمة، قد يرى في الخطوة المجرية تحديًا للمبادئ الأساسية لحقوق الإنسان وسيادة القانون. ومن المحتمل أن تواجه المجر انتقادات قوية أو حتى إجراءات دبلوماسية من بعض الدول الأعضاء.

نتنياهو وزيارته المثيرة للجدل

تزامن الإعلان عن الانسحاب المجري مع وصول نتنياهو إلى بودابست، مما يعكس موقفًا سياسيًا واضحًا من حكومة أوربان. زيارة نتنياهو، التي تأتي في ظل مذكرة توقيف صادرة بحقه، تعكس محاولته كسر العزلة الدولية المفروضة عليه، وإيصال رسالة مفادها أن المحكمة الجنائية الدولية ليست عائقًا أمام تحركاته الدبلوماسية.

هذه الزيارة هي الثانية لنتنياهو إلى دولة أجنبية منذ صدور مذكرة التوقيف، بعد زيارته إلى واشنطن في فبراير للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وتُبرز تلك التحركات التحالف القوي بين إسرائيل وحلفائها التقليديين الذين يتبنون مواقف ناقدة للمحكمة الجنائية الدولية.

هل يؤدي القرار المجري إلى تداعيات أوسع؟

قد يكون انسحاب المجر نقطة انطلاق لموجة أوسع من الدول التي تعارض سياسات المحكمة الجنائية الدولية. ومن المرجح أن تراقب دول أخرى كيفية تفاعل المجتمع الدولي مع هذا القرار، لا سيما تلك التي تخضع قياداتها لتحقيقات مماثلة.

في الوقت نفسه، فإن موقف المجر يعكس تحولًا أوسع في السياسة الدولية، حيث بدأت بعض الدول الكبرى في التشكيك بسلطة المؤسسات الدولية، متذرعة بمصالحها الوطنية على حساب القانون الدولي.

مستقبل العدالة الدولية على المحك؟

انسحاب المجر من المحكمة الجنائية الدولية ليس مجرد قرار قانوني، بل هو خطوة سياسية تعكس صراعًا أكبر حول سلطة المؤسسات الدولية مقابل السيادة الوطنية. ومع تزايد التوترات بين الدول الكبرى والمؤسسات القضائية العالمية، يظل السؤال الأهم: هل نشهد بداية تراجع دور المحكمة الجنائية الدولية، أم أنها ستظل أداة رئيسية لمحاسبة مرتكبي الجرائم الدولية؟.

موضوعات متعلقة