رغم الأحداث السياسية.. تراجع التضخم السنوي في تركيا إلى 38.1% خلال مارس 2025

أظهرت بيانات رسمية اليوم الخميس تراجع معدل التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في تركيا إلى 38.1 بالمئة في مارس ، وهو ما يقل عن التوقعات في استطلاع أجرته رويترز.
وذكر معهد الإحصاء التركي أنه على أساس شهري سجل معدل التضخم 2.46 بالمئة، وهو ما يقل أيضا عن التوقعات. وبلغ معدل التضخم في فبراير 2.27 بالمئة على أساس شهري و39.05 بالمئة على أساس سنوي.
وكان من المتوقع بحسب استطلاع رويترز أن يرتفع معدل التضخم الشهري إلى ثلاثة بالمئة في مارس، مع انخفاض المعدل السنوي إلى 38.9 بالمئة.
وأظهرت البيانات ارتفاع مؤشر أسعار المنتجين المحليين 1.88 بالمئة على أساس شهري في مارس آذار، مع زيادة سنوية 23.5 بالمئة.
من ناحية أخرى تشهد تركيا أضعف أسبوع في حركة الأسواق المالية منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2008، حيث فقد مؤشر الأسهم ISE 100 أكثر من 16 بالمئة من قيمته، وذلك على إثر اعتقال أكرم إمام أوغلو منافس الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأسبوع الماضي، الحدث الذي كان له أثر كبير على استقرار الأوضاع في تركيا بما في ذلك أسواق المال من ضمن قطاعات أخرى، مما أسفر عن خسائر كبيرة للبلاد وتحديات عديدة أمام الرئيس أردوغان.
واستجابة للوضع الراهن منعت هيئة الرقابة على الأسواق المالية في تركيا من عمليات البيع على المكشوف، أي بيع المستثمرين لأسهم لا يملكونها على أمل أن تنخفض الأسعار لاحقاً ليشتروها مجدداً بسعر أقل، في حين سهّلت عمليات إعادة شراء الأسهم لدعم أسعار الأوراق المالية المتدهورة.
أسفرت هذه الاستراتيجية عن تحسين بسيط على المدى القصير، فارتفع المؤشر بحوالي 2 بالمئة، لكنه عاود الانخفاض ليسجّل أدنى مستوى له منذ شهر نوفمبر.
تمثّل هذه التطّورات الأخيرة مشكلة حقيقية بالنسبة لأردوغان وفق مراقبين؛ ففي السنوات الأخيرة استثمر المستثمرون الأتراك في سوق الأسهم لحماية ثرواتهم من التضخم المرتفع الذي بلغ في شهر مارس 39 بالمئة، ما يعني أن استثماراتهم اليوم في خطر.
وعود بالاستقرار
شهدَ سوق الأوراق المالية بداية هذا الأسبوع هدوءاً نسبياً بعد أن وعد وزير المالية محمد شيمشك بفعل كل ما يلزم لضمان استقراره، وأكد أن تركيا ما زالت تقدّم فرص استثمارية جيدة طويلة الأمد.
كما أكد محافظ البنك المركزي فاته كاراها تمسّك الرئيس رجب طيب أردوغان بالسياسة الصديقة للمستثمرين التي يتبعها منذ عامين، للحد من بيع المواطنين الأتراك للعملة المحلية.
وبالرغم من تراجع قيمة العملة التركية مقابل الدولار، فإن انخفاضها الطفيف والذي يقدّر بحوالي 3 بالمئة هدأ من مخاوف المستثمرين.
صدمة قصيرة الأمد
يؤكد إردال يالتشين، أستاذ الاقتصاد الدولي في جامعة كونستانز للتكنولوجيا والاقتصاد والتصميم (HTWG)، أن تركيا كانت على طريق الاستقرار بعد أن شهدت فترة طويلة من عدم اليقين السياسي، والتضخم، والأزمة الاقتصادية المستمرة.
وتم جذب المستثمرين الدوليين إلى البلاد مرة أخرى من خلال أسعار الفائدة المرتفعة ودعم الليرة التركية، وأضاف أن السندات الحكومية والأسواق كانت في مرحلة تعافٍ واضحة.
ولكن يرى يالتشين أن اعتقال إمام أوغلو كان له أثر واضح على الأسواق، وقال: "على المدى القصير، زاد عدم اليقين السياسي في البلاد بشكل مفاجئ. في غضون ساعات قليلة، سحب المستثمرون الدوليون كميات كبيرة من رؤوس الأموال من الأسواق المالية التركية"، وأضاف: "تعرضت الليرة التركية لضغوط كبيرة ما اضطر البنك المركزي إلى بيع احتياطيات ضخمة لتثبيت سعر العملة".
قطاع السياحة على المحك
كما يبرز أثر عدم الاستقرار السياسي بشكل واضح على أحد أهم القطاعات في تركيا وهو قطاع السياحة، وهو ما يمكن ملاحظته على شواطئ تركيا السياحية وفق ديرك شموكير، مدير الأبحاث في معهد NIT (الرؤى الجديدة للسياحة) في كييل.
بالرغم من عدم وضوح مدى الأثر على حدّ تعبير شموكير إلا أنه لا يجب المبالغة به باعتقاده، وأضاف: "هذه ليست المرة الأولى التي تتصرف فيها الحكومة التركية بشكل مختلف عما تعودنا عليه من الحكومات الأوروبية".
ومن جانبه يرى ماركو أ. جارديني، أستاذ إدارة السياحة في جامعة كيمبتن أن احتجاز إمام أوغلو رئيس بلدية إسطنبول مسألة بالغة الأهمية في الأوساط السياسية والدبلوماسية الدولية، ومع ذلك لا يعتقد أن ذلك سيؤثر بشكل مباشر على السياحة في تركيا كما هو متوقع، لأن الموضوع لم يعد مثيراً بالدرجة التي كان عليها في السابق، وأضاف: "عدداً قليلاً جداً من السياح قد يتجنبون تركيا بسبب سياسة وشخصية أردوغان".
ويولي جارديني الخطر الأكبر على قطاع السياحة في تركيا إلى آثار تغير المناخ لا إلى الاحتجاجات الحالية، ويراه بأنه التهديد الأكبر لقطاع السياحة على المدى الطويل.
وفي حال لم تتم السيطرة على آثار الاحتباس الحراري، فيعتقد غارديني أن المناطق التي ستكون مهددة بعواقب تغير المناخ في فترات معينة أي موسم السياحة ستصبح وجهات غير مرغوب بها.
وهو ما يؤكد شموكير، باحث السياحة، الذي يرى بأن السياسة الداخلية التركية لا تشكّل العامل الحاسم في اتخاذ قرارات السياح في السفر إلى تركيا، ويعتقد أن تهديد الأمن الشخصي، أو احتمال حدوث كوارث طبيعية، أو صعوبة الحصول على تأشيرة هي العوامل التي تلعب دوراً أكبر في تراجع السياحية في تركيا، وأضاف: "السياح الألمان (وربما ليس فقط الألمان) من الأشخاص الذين قد يعدلون رغباتهم السياحية، خصوصاً إذا كانت الأسعار منخفضة".
مخاوف من أزمة في مختلف القطاعات
مخاوف تأثير عدم الاستقرار السياسي في تركيا لا تقتصر على قطاع السياحة فحسب، فالاقتصاد بأكمله يقف أمام تحدّ كبير، والبنوك والنظام المالي بالكامل تأتي في المرتبة الأولى، فيقول إردال يالتشين: "بسبب ارتفاع تكاليف التمويل، فإن البنوك التركية تقبع تحت ضغط كبير".
كما أنه يتخوّف من تردد المستثمرين الدوليين، حيث يزداد خطر خروج رؤوس الأموال، مما قد يعزز مشاكل السيولة ويهدد استقرار النظام المالي بأسره على حد تعبيره.
بالإضافة إلى البنوك فإن قطاع العقارات يعتمد على الاستثمارات الأجنبية بشكل كبير، وبهذا الصدد قال يالتشين: "يزيد عدم الاستقرار السياسي من خطر سحب رأس المال وزيادة مشاكل التمويل، خاصة في بيئة ارتفاع الفائدة وتقلبات سعر الصرف".
وأخيراً، قد تتأثر الصناعات التي تعتمد على التصدير أيضاً، فقد يطلب الشركاء التجاريون الدوليون ضمانات أعلى أو علاوات المخاطر، كما أن تقلب سوق العملات الأجنبية قد يجبر الشركات المصدِّرة على زيادة تكلفة التحوّط الذي تتخذه الشركات لحماية نفسها من تقلّب الأسعار، ما قد يؤثر على قدرتها التنافسية.
ومع ذلك يرى يالتشين أن الأزمة السياسية التركية الحالية قد لا يكون لها آثار طويلة المدى على الاقتصاد التركي؛ لأن تركيا حليف وشريك مهم لدول عديدة، وقال يالتشين: "أعلن وزير المالية التركي عن اتخاذ إجراءات حاسمة، وهو ما قد يُستقبل بشكل إيجابي".
وأضاف: "يعتمد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على تركيا المستقرة، أولاً كحليف مهم في الناتو، وثانياً كحاجز استراتيجي في مواجهة تدفقات الهجرة إلى أوروبا" وهو ما يفسّر اعتدال الأصوات الأوروبية الناقدة للوضع الراهن في تركيا.